محمود توفيق محمد سعد
49
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
كان ممّا امتن اللّه عزّ وجلّ به على عباده في صدر سورة الرّحمن أنّه خلق الإنسان علمه البيان . فبيان الإنسان يعدل وجوده ، وقد هدى أهل الحكمة إلى أن المرء مخبوء تحت لسانه ، فلسانه هو الكاشف عن وجوده ومنزله القائم فيه ، وهو مرآة قلبه فكرا وشعورا . والبيان الذي امتنّ اللّه سبحانه وتعالى به على الإنسان أنواعه عديدة كما أشار إليه " أبو عثمان الجاحظ " في " البيان والتبيين " أعلاها بيان اللسان ، وبيان القلم ، وقد عدّ أهل الحكمة القلم أحد اللسانيين . واللّه عزّ وجلّ في تقريره كمال عقل النّبيّ صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا أقسم بالقلم وما يسطرون : ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ * ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ( القلم : 1 - 4 ) وفي هذا دلالة على أنّ العلاقة بين القلم ، وما يسطر به وكمال العقل وعظيم الخلق جدّ عظيمة ووثيقة على الرغم من أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا ما خطّت يمينه بقلم : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ ( العنكبوت : 48 ) وفي هذا إلاحة إلى أنّ كمال عقله وعظيم خلقه صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا فوق ما هو ثمرة تسطير الأقلام من كمال العقول وعظيم الأخلاق لدى سائر العباد . وقد هدى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا - إلى عظيم منزلة العرفان بالتسطير بالأقلام بما جعله فداء أسرى المشركين يوم بدر من تعليم الأسير من المشركين عشرة من المسلمين الكتابة ، وفي هذا إبانة إلى أن تعلم الكتابة يعدل حرية المرء ، ومن كان غير كاتب - خلاه صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا - فإنما هو إلى العبودية أقرب : هي عبودية معرفية ، وهي أشد على العاقل من عبودية الجسد . ولعل أعظم ما هدي إليه الإنسان من الاختراع هو اختراع الكتابة والتسطير بالأفلام ، فلو لا ذلك لبانت حضارات وذهبت معارف وعلوم عديدة ، ولما كان للإنسانية أن تبلغ الذي بلغت . وهذا ما بعث العلماء على أن يسطروا ما هو مكنون في صدورهم من العلم والحكمة .